حسام ميرو يكتب:

مصير «القاعدة» بعد أفغانستان

كابل

بمقتل زعيمه، أيمن الظواهري، يكون تنظيم «القاعدة» الإرهابي أمام سؤال رئيسي، يتعلق بمستقبله، وما يجعل هذا السؤال أساسياً هو اغتياله في أفغانستان، التي شكّلت المأوى الأبرز لقيادات التنظيم منذ عقود، خصوصاً أن هذا الاغتيال يأتي بعد عودة حركة «طالبان» للحكم، بعد الخروج الفوضوي للقوات الأمريكية من هذا البلد، في أغسطس/ آب من العام الماضي، ووجود تحليلات تشير إلى شبهة تواطؤ من قبل الحركة مع الاستخبارات الأمريكية، من أجل تصفية الرجل الأول في التنظيم، أوعلى الأقل أن الحركة لم توفر له ملاذاً آمناً بما يكفي.

منذ تأسيس التنظيم في عام 1988، كانت أفغانستان البلد الذي انطلقت منه الحركة في عملها ضد القوات السوفييتية، التي كانت داعمة للحكومة الشيوعية في كابول، بقيادة الرئيس محمد نجيب الله، الذي حكم البلاد بين عامي 1987 و1992، وأعدمته حركة «طالبان» لاحقاً في كابول، في عام 1996، وجاءت ولادة الحركة في أجواء الحرب الباردة، كجزء من المساعي الأمريكية والغربية، لتقويض الوجود العسكري السوفييتي خارج حدوده، وفي إطار استراتيجية أوسع وأقدم، لمنع انتشار المدّ الشيوعي، وبالتالي، استفادت الحركة فعلياً من دعم أطراف عديدة، في مقدمتها واشنطن، لبناء أطر متكاملة، من تنظيم وإمداد بالسلاح وإمكانات مالية، جعلتها رقماً صعباً ورئيسياً في الميدان الأفغاني.

شكّلت أفغانستان، بمساحتها الجغرافية الكبيرة (حوالي 650 ألف كيلو متر مربع)، وموقعها الاستراتيجي، كعقدة ربط بين شرق وغرب وجنوب ووسط آسيا، وحدودها مع عدد كبير من الدول، بما فيها الصين وإيران، وما لهما من أهمية سياسية، ميداناً مثالياً لعمل الحركة، في بلد لم يتمتع بحالة استقرار راسخة، منذ استقلاله عن بريطانيا في عام 1919، بالإضافة إلى واقع التعدّد الإثني والمذهبي، الذي تمّ الاستثمار فيه على الدوام، كرافعة من روافع الاقتتال الداخلي من قبل قوى داخلية، أو من قبل القوى الإقليمية والدولية.

بعد سقوط حكومة محمد نجيب الله في كابول في عام 1992، وقبلها سقوط الاتحاد السوفييتي في عام 1991، تبنى تنظيم «القاعدة» الإرهابي استراتيجية أممية، معادية لواشنطن والغرب، بعد أن انتهت مهمته الوظيفية بالنسبة لهما في أفغانستان، وخلال سنوات، تمكّن من بناء شبكة علاقات عابرة للحدود، جعلته ينفذ عدداً من العمليات حول العالم، وصولاً إلى العملية الأشهر والأكبر، المتمثلة بضرب برجي التجارة العالميين في نيويورك، في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وهي العملية التي ستدفع بالقوات الأمريكية لغزو أفغانستان، وبدء مسيرة تحجيم التنظيم، ومن ثم اغتيال قائده أسامة بن لادن، في باكستان، بعد أن كان التنظيم قد تعرض لضربات عديدة، جعلت الكثير من قياداته تهرب خارج أفغانستان.

فترة قيادة الظواهري في العقد الأخير، كانت فترة تراجع كبير لقدرات التنظيم، خصوصاً بعد صعود تنظيم «داعش» الإرهابي على المسرح الشرق أوسطي، لكنه بقي شكلاً من أشكال المرجعية، لعدد من الأفرع الموزعة على عدد من الدول، كما كانت حركته في أفغانستان نفسها مشروطة ومحدودة بأوامر قيادات حركة «طالبان»، التي أصبحت أكثر براغماتية في تعاطيها مع الشأن السياسي، وفي سعيها لللتحوّل من تنظيم حركي إلى سلطة سياسية، تقود دولة، ومعنية بالتفاوض أكثر من المواجهة، وبمحاولة اكتساب شرعية خارجية، تسمح لها بترسيخ وجودها في السلطة.

وسط المعطيات الجديدة في أفغانستان، ومع تراجع إمكانات «القاعدة» للعمل على نحو أممي، موجّه بشكل خاص ضد الغرب، فإن الساحة الأكثر ترجيحاً لنشاط التنظيم ستكون إفريقيا، خصوصاً منطقة الساحل والصحراء، التي تضم موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، وتمتدّ على مساحة 3 ملايين كيلومترمتر مربع، وصولاً لنيجيريا، وتعاني معظم هذه الدول مشكلات وأزمات سياسية واقتصادية، بالإضافة إلى مشكلات التعدّد الإثني والديني، ووجود صراعات دولية على هذه الدول، التي يفتقد بعضها لمناخات الاستقرار الأمني.

من المعروف أن الصراع على إفريقيا، أصبح جزءاً رئيسياً من الصراع بين القوتين الأبرز في سوق العمل الدولي، أمريكا والصين، بالإضافة إلى شبكة العلاقات الروسية القوية في عدد من الدول الإفريقية، وهذا الصراع بكل ما يحتويه من تناقضات، سيحاول «القاعدة» استثماره، لبناء دور وظيفي جديد، يسمح له بالوجود والتمدّد، والاستحواذ على مقدرات مالية ضرورية لإنعاش عمله، وهو ما سيتطلّب منه أن يقوي الروابط التنظيمية بين أفرعه القديمة، وبناء شبكات جديدة في الوقت نفسه، لكن واحدة من أبرز التحديات التي ستواجهه، هي مواجهة «داعش» الذي أصبح موجوداً وفاعلاً في الساحة الإفريقية.