ماجد الداعري يكتب:

عن أول متحدث باسم ٤ حكومات كارثية باليمن

كان صديقي سابقا راجح بادي أول متحدث بالعالم لأربع حكومات كارثية على التوالي، يتنقل ذات مساء جنوبي حالم، وسط أحياء مزدحمة بالمتسوقين والمتسوقات بشوارع كريتر الضيقة، على متن تاكسي أجره، في عز قوة حكومة بن دغر بعدن
وشاء القدر أن ألمحه على ضوء سيارة صديق عزيز كنت استقلها مارا ليلتها في طريقي للبيت، وكان هو شارد يغوص في عالم آخر وهو يجلس جوار السائق رابطا "غترته" أوشاله على نصف راسه كنوع من التموية
رأيته فجأة أمامي بملامحه التي لانقبل الشك، فرفعت يدي من نافذة السيارة لأحييه عند وصول تاكسيه إلى أمامي مباشرة، وفي لحظة كانت عينيه تتجه بكل تركيز أنظاره نحوي ولكنه فجأة وبمجرد أن عرفني، أفلت عينيه نحو الأرض بشكل تهربي غريب مني، دون ان يرد حتى التحية مع نفسه، مع أنه كان صديقا عزيزا لي قبل سنوات وفي عز جوعه وطفشه بصنعاء الملعونة بمثل هكذا تقلبات
ومع اننا سبق وأن التقينا وتحدثتا أكثر من مرة وتناقشنا وتجادلنا في أمور كثيرة، كان من أهمها "الانفصال المقدس" عن وحدة الحرب والقهر والاذلال القائمة بين الشعبين الجنوبي واليمني الشقيقين.
ولعل من أهم تلك اللقاءات، حينما قابلني فجأة بسوق شهير للقات ذات ظهيرة صنعانية باردة وترجاني بكل لطف واحترام ان أعود معه إلى مكتب عملي"بكاك بنك الحصبة" حينها، لانسخ له على فلاشة بعض الإعلانات التجارية من البنك لصحيفته الصحوة لسان حال حزبه الإصلاح التي يتولى إدارة تحريرها كمدير للتحرير باعتبار الايميل لايحتمل إرسال الإعلانات بالدقة المطلوبة
تذكرت هذا الموقف ومواقف أخوية كثيرة جمعتني ببادي كصديق غيرته نعمة الدنيا الزائفة ودفعته إلى ان يستكثر على انسان بسيط معدم ماليا مثلي حتى رد السلام والتحية وتجاهل بكل برود، ذكريات اخوتنا والمطاعم والشوارع والنقاشات والكراسي الطاولات التي جمعتنا مرات عديدة في أكثر من مكان بالعاصمة الملعونة صنعاء
تذكرت اشياء كثيرة ماتزال راسخة بعقلي عن صنعاء وطيبة الكثير من أهلها وسكانها الأصليين
ولكنى بالمقابل لم اتخيل موقفا صادما كهذا من شخص كنت اضعه ذات يوم في سدرة الأصدقاء، فلعنت السدرة ومن فيها، اذا كانوا بهذا المستوى من التنكر او التعالي وسوء الاعتقاد نحو الآخر
نعم تذكرت واتذكر يوميا مواقفا كثيرة لأناس كثيرا ما صادقتهم ورسمت صورا ملائكية عنهم وفجأة ظهروا على حقيقتهم المخجلة حتى للخجل نفسه، حينما أصبحوا في أماكن أخرى ليسوا اهلا لها ولا ذوي مقاما لبلوغها.
ولذلك اضطر كثيرا لالتزام الصمت خجلا عن سرد كثير من المواقف مع من كانوا أصدقاء ورجال دولة ذات يوم واصبحوا لصوصا ومتهبشين ومرتزقة بهيئات وصور وأشكال مختلفة،وذلك احتراما لذاتي واراحة لضميري
نعم أحبتي مؤسف تذكري لموقف كهذا كما لو ان بعضكم قد يقول، ولكن حاول أن تعش معي لحظة تهرب صديق منك ورفضه حتى رد تحيتك عليه ومبادلتك الابتسامة في شارع عتيق بقلب كريتر عدن لايمكن لمرتاديه ان يقطبوا وجوههم او يخجلوا من مقابلة أصدقائهم فيه حتى لو كانوا من "شبيلة معاكسات طيحني" ياصديقي الغريب.
تذكرت ملامح صديق كان وهو يسحب عينيه عني بهدوء قاتل وكأنه رأي بركان كريتر تفجر أمامه من جديد فجأة وابتلعه في باطن الأرض.
فاضطريت لتركته وشأنه يواصل رحلته الترفيهية الترويحية عن النفس، وعدت ليلتها إلى البيت وكلي أسئلة غريبة تحاصر تفكيري من مختلف الجهات:
هل عرفني ام لا. وهل معقول انه لم يعرفني..وقد كان قريبا جدا مني وبامكانه ان يمد يده لمصافختي..
لماذا خجل وامتنع عن رد التحية حتى وإن لم يعرفني.. هل كان يشعر أنني ضبطه في موقف لايحسد عليه في خضم تلك الزحمة التسوقية السابقة لرمضان كما اتذكر ولم يتوقع أن أحدا سيتمكن من كشف هويته المموهة باخفائه لنصف رأسه.. وماذا كان فعلا يحاول القيام به من مهمة وطنية لا قدر الله في ذلك الشارع المزدحم..
كل هذه الأسئلة وغيرها الكثير تولدت في لحظة واحدة في عقلي نتيجة عدم رده التحية بالتحية انطلاقا من قوله تعالى:وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها... الخ الآية الكريمة،وخاصة وان صديقي خطيب ديني اخواني إصلاحي مفوه يستثمر حزبه بالدين أكثر مما يستثمر اللوبي الصهيوني بأسواق البورصة العالمية.
وكل هذا النبش في الذاكرة جاء تزامنا مع تصريحه الفاضح أمس بعدم وجود اي موعد لتوقيع إتفاق جدة وصولا إلى حد إنكاره للاتفاق كن أساسه خلافا لتصريح رئيس حكومته نفسه المتفائل بنجاح الاتفاق وخروجه للنور.. ولذلك كان على صديقي الأسبق ان يراعي الله في قوله وان يفهم مايتحدث به قبل ان يخرج به للإعلام لان الكذاب ملعون والكذب خصلة ذميمة لاتليق إلا به وبرجل يحمل صفة متحدث باسم حكومة شعب وان كانت وهمية عدمية هاربة خارج البلد، فسقوطها الحتمي أصبح مسألة وقت وليس من الضرورة أن يسقط هو اخلاقيا قبلها.
#هل_نسي_بادي_الانفصال_المقدس؟