ترجمة..
صحيفة: هل ستؤدي جائحة كورونا إلى إدارة عالمية جديدة؟
فجأة أصبح الجميع متعدد الأطراف؛ المعلقون والمحللون والمقالات الافتتاحية التي تفتح النار على المنظمات
من الناحية النظرية، ستكون كل دولة سعيدة بإدارة عالمية منخفضة التكلفة تخدم مصالحها الوطنية دون التأثير على سيادتها. وعمليًّا، يرقى هذا إلى جميع الدول التي تمارس تعددية الأطراف من خلال قائمة انتقائية تختار من خلالها الكيانات التي تدعمها وتلك التي يجب تجاهلها.
وترى وجهة نظر القرن العشرين لحل المشاكل الدولية أن الهيئات المركزية متعددة الأطراف، مثل الأمم المتحدة، بحاجة إلى التجديد والتعزيز. وهذا الحلم الغامض لديه فرصة أقل من أي وقت مضى حيث ينكمش الاقتصاد العالمي بنسبة 3% على الأقل والقوى العظمى تلقي باللوم على الفيروس. لذا علينا إنقاذ ما يستحق الاحتفاظ به من حطام الطائرة المتعددة الأطراف.
وأمام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي– وهي التي تأسست في مؤتمر بريتون وودز– فرصة لإعادة نشاطها. فحتى وقت قريب، كان صندوق النقد الدولي يتراجع نوعًا ما، حيث ركز في الغالب على اقتصادات متدهورة مثل الأرجنتين. فجأة، تقدمت أكثر من 100 دولة تمثل معظم سكان العالم بطلب للحصول على قروض طارئة من المحتمل أن يصل مجموعها إلى تريليون دولار. ويعتمد صندوق النقد الدولي على مساهمات الدول، وبذلك يسارع في عملية القروض، كما أنه يعمل بشكل أو بآخر بسلاسة مع الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى.
من جانبه، يضع البنك الدولي اللمسات الأخيرة على حزمة إغاثة بقيمة 160 مليار دولار تستهدف 65 دولة منخفضة الدخل، وكلاهما ضغطا من أجل تعليق التزامات سداد الديون لأفقر دول العالم كذلك. وما نستخلصه من هذا هو: أن تخصيص الموارد حيثما تكون هناك حاجة أفضل من البيروقراطية المنتفخة التي لم تثبت نفعها، سواء في الأوقات الجيدة أو السيئة.
هذه هي الطريقة التي يمكن أن نصف بها منظومة الأمم المتحدة مثل الأمانة العامة والجمعية العامة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي. وتجسد العديد من هذه الهيئات (التي تتخذ من نيويورك وجنيف مقرات لها) عدم الاعتداد بالعالم الحقيقي حيث إن الأموال التي تنفق على امتيازاتهم الدبلوماسية هي فساد علني على مرأى من الجميع.
ويبرز مجلس الأمن الدولي كممثل لهذا الجمود العقيم. وباعتبارها أعلى هيئة دولية، فهي تلبي رغبات القوى العظمى، فهي ليست أكثر من نادٍ يمثل التسوية التعسفية منذ الحرب العالمية الثانية، أي قبل 75 عامًا تقريبًا. لقد أساء استخدام الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي حق النقض (الفيتو) لأعضائه الخمسة الدائمين خلال الحرب الباردة، والآن زادت الإساءة أكثر باستخدام روسيا والصين اللتين تعملان بشكل متضافر لمنع أي قرارات بنّاءة.
أما المنظمات التي يمكن أن تختطف أو تديرها دولة واحدة تعمل لمصلحتها الذاتية العارية فقد أثبتت أنها لا يمكن إصلاحها وأن من الأفضل التخلص منها. وسيكون اختفاؤها علامة مرحب بها لدمقرطة الإدارة العالمية.
كذلك فقد سعى حلفاء عبر الأطلنطي إلى أخذ أجندتهم خارج إطار الأمم المتحدة عبر مجموعة السبع، دون إظهار ذلك. ولكن مجموعة السبع تدهورت ولم تعد علاجًا جماعيًّا للقادة الغربيين، حيث فشلت الشهر الماضي في إصدار بيان بشأن الوباء بسبب إصرار وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" على تسمية فيروس كورونا باسم "فيروس ووهان". كما باتت مجموعة العشرين أكثر تمثيلًا بكثير على الورق، ولكنها في الممارسة العملية فشلت في تقديم إرشادات ذات مغزى، كما لو أن البيانات هي ما يهم.
عمّقت جائحة فيروس كورونا الفجوة بين آليات الإدارة العالمية المفيدة وبين غير المفيدة. فتلك التي لديها نهج شامل، تجد الجميع يساعدها – سواء الحكومات أو الشركات أو المحسنين والمجموعات المدنية – في تحالفات أصحاب المصلحة المتعددين، كما أنها تُعد لا مركزية، وتدفع الأموال والحلول للمحتاجين بدلًا من اكتنازها في المقرات وتخصصها لرواتب القطط السمان من البيروقراطيين.
ورغم أن منظمة الصحة العالمية لديها سجل مبكر من النجاحات في القضاء على الجدري وشلل الأطفال، بيد أن الأصوات من الداخل لم تتراجع عن انتقاد هيكلها البيروقراطي المفرط وتسييسها من عدد كبير من الدول الأعضاء والجهات المانحة الخاصة. وعلى الرغم من كون الولايات المتحدة أكبر مصدر فردي للتبرعات– بما في ذلك ما يقرب من 15% من الميزانية القادمة من مؤسسة جيتس– إلا أن منظمة الصحة العالمية أساءت التعامل مع كل من تفشي فيروس إيبولا عام 2013 وفيروس كورونا. ورغم أن توقيت إعلان إدارة ترامب بوقف مساهمتها في منظمة الصحة العالمية ربما كان سيئًا في خضم هذه الأزمة، إلا أنه تذكير بأنه يجب أن نطالب المنظمات ذات الميزانيات البالغة 5 مليارات دولار بمزيد من الجهود.
من جانبه، تعهد "بيل جيتس" أيضًا بإنفاق مليارات الدولارات عبر سبعة جهود مختلفة لتطوير لقاح لفيروس كورونا. وفي الوقت الحالي، تزدهر "دبلوماسية العلوم"، حيث تشترك المختبرات العامة والخاصة في تحليل تسلسل الحمض النووي ونتائج الاختبار، وما ذلك إلا تذكير بأن الحوسبة السحابية هي تعبير للإدارة العالمية التي نحتاجها للبذخ في الإنفاق على مؤسسات بيروقراطية.
مثل الإنترنت نفسه، تقوم الفرق بتجميع البيانات ومشاركتها عبر الشبكات، مع قيام المستخدمين في جميع أنحاء العالم بتنزيل الإرشادات الطبية، وأكواد لتطبيقات تتبع جهات الاتصال، وتصميمات لطباعة معدات الحماية ثلاثية الأبعاد.
وللمضي قدمًا، يجب أن نطبق هذا الدرس على دبلوماسية المناخ أيضًا. إن نقل التقنيات لتنظيف المصانع ومصانع الأسمنت وشبكات الكهرباء في الدول شديدة التلوث يُعدّ أكثر فائدة بكثير من عقد القمم الأخرى في باريس أو كانكون أو بالي.. إننا نريد الكثير من العمل والقليل من الكلام، فأفضل دبلوماسية هي دبلوماسية العمل.



