بعدما فقدت دورها في الحرب الكونية ضد كورونا..
كاتب أردني: لماذا الاستخبارات العربية في حالة شرود؟
"أرشيفية"
وبقيت الاستخبارات العربية خارج اللعبة وفي حالة شرود، هذا هو الوصف الذي يمكن إطلاقه على هذه المؤسسات في العالم العربي، بعدما فقدت دورها في الحرب الكونية الدائرة ضد العدو غير المرئي، فيروس كورونا، عكس نظيراتها في الكثير من مناطق العالم، خاصة الغربية.
يعيش العالم فيلما من الخيال العلمي مثل فيلمContagion للمخرج ستيفن سودربرغ، بسبب ما تفرضه هذه الجائحة من نمط جديد للحياة، إلا أن هذه المرة الخيال العلمي تحول إلى واقع حقيقي.
فعلى شاكلة هذا الفيلم، أصبحت معظم مدن العالم فارغة وشبه مهجورة، والصمت يخيم على الكرة الأرضية، وتحول الخيال السينمائي إلى واقع، فعندما صور المخرج الفرنسي جورج ميلييس فيلم «الوصول الى القمر» سنة 1902، سخر الكثيرون منه، وتحول الفيلم سنة 1969 إلى واقع، عندما وضع أرمسترونغ رجله على القمر. ونتمنى أن لا يصل العالم الى لحظات شبيهة بفيلم «2012»، عندما بدأت طبقات الأرض تهتز والبشرية مهددة بالانقراض، وجاء الفرج عبر سفن نوح التي صنعتها الصين، وأنقذت البشر، وحالت دون تكرار سيناريو انقراض الديناصور. وما أشبه الواقع الحالي بالخيال، بعدما توجهت كل أنظار العالم، بما فيها الولايات المتحدة إلى الصين، بحثا عن المساعدات لمواجهة هذا العدو غير المرئي.
ويجري فيلم آخر واقعي بسبب كورونا، يدور في المطارات والمراكز العلمية الخاصة بالبحث العلمي. يقوم بالبطولة عملاء الاستخبارات، الذين يخوضون حربا باردة من نوع جديد، مختلفة عن الأفلام التي عودتنا عليها هوليوود، فقد شكلت الاستخبارات الكبرى والمتوسطة كوماندوهات خاصة، تتعقب صفقات الأقنعة الطبية، وأجهزة الرصد السريع والكلاسيكية، للوقاية من «كوفيد ـ «19. فهي الأسلحة الرئيسية لمواجهة هذا الفيروس، وليس مضادات الصواريخ إس-400 الروسية أو المقاتلة الأمريكية إف 35. فهذه الأجهزة تخوض حرب قرصنة حقيقية فيما بينها، قرصنة تجري في المطارات، وليس في أعالي البحار. هذه الحرب تغيب فيها الأخلاق وتحضر فيها قضية الأمن القومي للوطن.
وعلاقة بالعالم العربي، تجد الاستخبارات العربية نفسها بدون بوصلة، في هذه الحرب الكونية، فهي استخبارات ذات طابع بوليسي في الغالب، تلقت تدريبا وسطرت لها أجندة لتحقيق هدف واحد، وهو حماية الحاكم، مهما بلغ فساده، والتفاني في تطبيق رؤيته السياسية، التي جعلت مفهوم الدولة، التي يترأسها الديكتاتور منفصلة عن الوطن. في الدول الديمقراطية تكون الدولة مرآة للوطن والأمة، وفي الدول الديكتاتورية تكون الدولة اغتصابا للوطن، وعلى مقاس الحاكم، ولهذا يطلق عليها «الأنظمة الحاكمة» بشكل تبخيسي لقربها من مفهوم العصابات. وكان الربيع العربي قد رفع شعارات إسقاط العصابات الحاكمة، أي مؤسسات الدولة المزيفة، التي جرى فرضها على الوطن، في ظروف تاريخية استثنائية. وعادة ما نقول ونردد «دولة اللصوص»، ولا نقول «وطن اللصوص».
عالم ما بعد كورونا يعيد ترتيب الأوراق ويتسبب في تغيير دور الكثير من الفاعلين والمؤسسات في مختلف القطاعات
تجد الاستخبارات العربية نفسها خارج اللعبة، فهي انخرطت في محاربة الإرهاب، وفي أغلب الأحيان، بأجندة غربية مع بعض الاستثناءات، أي كانت أداة في يد استخبارات أخرى. ويكفي استحضار ملفات الماضي القريب، لمعرفة كيف كانت مخابرات دول غربية مثل الأمريكية والبريطانية، تصدر معتقلين متهمين بالإرهاب الى مراكز تعذيب في العالم العربي، لاستنطاقهم بطرق وحشية. وتدربت هذه الاستخبارات على حماية أسرار أموال الحاكم في البنوك الغربية، وملفات بنما وسويسرا وويكليكس يأتيكم باليقين، ولم تتدرب على حماية ثروات الوطن وحقوق الشعب.
لقد ساهمت الاستخبارات الغربية في فضح شركات ورجال أعمال تهربوا من الضرائب، وفتحوا سرا حسابات في بنوك مناطق حرة، بينما ساهمت الاستخبارات العربية في ملاحقة ناشطي المجتمع المدني والصحافيين، الذين فضحوا الاختلاسات التي نفذها حكام عرب بتفقير شعوبهم، ولا تدرك أن التاريخ له ذاكرة قوية، لا تمحوها حتى الوسائل الأكثر تعقيما ضد فيروس كورونا.
لهذا لن يسمع المواطن العربي باستخبارات دولة عربية نجحت في المساعدة في عقد صفقة لشراء أدوات طبية، أو ناورت وقامت بالقرصنة في المطارات، ونجحت في تغيير وجهة شحنة ما إلى بلدها. ولم نسمع عن استخبارات دولة عربية نجحت في استقطاب علماء إلى البلد، لكن ستجد هذه الاستخبارات، عملت المستحيل لتهميش الباحثين من بني جلدتهم. ومن قراءة سيرة كبار الباحثين العرب في مختبرات الغرب، خاصة في فرنسا والولايات المتحدة، سيكتشف المرء مدى معاناتهم مع أنظمتهم، بعد عودتهم من الغرب، وستجد في ملفات الاستخبارات تقييما لهؤلاء الباحثين وفق ولائهم، أو معارضتهم للنظام الحاكم، وليس لمستواهم العلمي الرفيع، وما يمكنهم تقديمه الى وطنهم.
هذه هي التصرفات اللاوطنية التي جعلت الكثير من الدول، ومنها العربية تفقد ثرواتها العلمية، وهي الثروات التي تصنع الفارق بين الدول والأوطان وخاصة إبان الأزمات. والاختلافات المرصودة بين أجهزة الاستخبارات في الغرب ونظيراتها بالعالم العربي يعود الى لحظة التأسيس وتسطير الأهداف. استخبارات جرى تأسيسها لخدمة الأهداف الوطنية السامية وحماية الوطن من انحرافات الحاكم، ولنستحضر محاولة الكونغرس إقالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد كان بسبب تقرير وضعه عضو استخباراتي يعمل في البيت الأبيض بعدما رصد خرق ترامب للدستور.
واستخبارات أخرى، عربية ومن العالم الثالث، جرى تأسيسها لحماية الأنظمة والجرائم التي ترتكبها ومنها اختلاس ثروات شعوبها. هل سمعتم باستخبارات عربية أنجزت تقريرا عن تهريب أموال الحاكم وحاشيته إلى بنوك الغرب؟ وتحاول بعض الاستخبارات العربية في أكثر من دولة تركيب فيلم خيالي هذه المرة، وهو تقديم الحاكم الذي دمّر قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم ونهب الأموال بمثابة المنقذ لشعبه ووطنه.
عالم ما بعد كورونا يعيد ترتيب الأوراق ويتسبب في تغيير دور الكثير من الفاعلين والمؤسسات في مختلف القطاعات، وتبقى أجهزة الاستخبارات العربية خارج اللعبة أو بلغة الوصف الرياضي «في حالة تسلل وشرود»، فأجندتها غير قابلة للصرف في المرحلة الجديدة، التي تتطلب البناء الوطني، لأنها أجندة غير قابلة للتطور بالمفهوم الدارويني.



