صورة مؤقتة..

"فورين بوليسي": البغدادي مات لكن أفكاره لم تمت

ابو بكر البغدادي

وكالات

من الواضح أن موت زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي سيضر بالقدرة التنظيمية والاستراتيجية للتنظيم المحاصر بالفعل. لكن هل سيضعف هذا شعبية أفكار البغدادي المتطرفة؟ تقترح البيانات التي حللناها من المواقع الإلكترونية الجهادية أن الإجابة هي لا.

أشعل موت زعيم القاعدة أسامة بن لادن في 2 مايو 2011 جدلًا حول ما إذا كان موته قد يساعد في خفض جاذبية أفكاره أم سيجعلها دون قصد أكثر شعبية من ذي قبل. وحذّر معلقون مثل عبد الباري عطوان من "خطر أنه بعد بن لادن، قد يخرج تنظيم القاعدة أكثر تطرفًا وأكثر توحدًا تحت راية الشهيد الأيقوني". بينما رد آخرون، مثل روبن سيمكوكس الذي يكتب لصحيفة لوس أنجلوس تايمز، بأن "بدلًا من جعله شهيدًا، أظهر مقتل بن لادن أنه كان، مثل بقيتنا، فانيًا".

لا تُظهر الأحداث منذ ذلك الحين أي من هاتين الحُجتين صحيحة. من ناحية، لم تَضْعُف الجهادية منذ مقتل بن لادن في 2011. ومن الناحية الأخرى، تنظيم الدولة الإسلامية المغرور هو من استولى على عباءة الجهاد العنيف، وليس القاعدة الأكثر توحدًا. مع هذا يبقى السؤال المهم هو: إذا تسبب مقتل بن لادن في إعادة إحياء أفكاره، بالتالي ربما نقلق من أن موت البغدادي سيعيد إحياء تنظيم داعش المهزوم، والذي يعيد شتات نفسه.

ومن أجل الإجابة على هذا السؤال، جمعنا الأعداد اليومية لمشاهدات الصفحات لكل واحدة من أكثر من 6 آلاف وثيقة منشورة على أكبر مكتبة إلكترونية للمواد الجهادية من 2011 إلى 2014، بـ30 ألفًا إلى 60 ألف زائر يوميًّا من الجزائر، ومصر، والمغرب، وتونس، وغيرها من البلاد الناطقة بالعربية. الموقع الإلكتروني عبارة عن مستودع للنصوص، دون رسومات براقة أو فيديوهات جذابة لجذب الدخلاء الفضوليين. باختصار، هؤلاء الزائرون مهتمون بالأفكار المتطرفة. 

من 2011 إلى 2014، قُتل 11 من الكتّاب الجهاديين قيد الدراسة، واعتُقل 19 آخرين. وبإلقاء نظرة على حركة منشوراتهم نرى أن أفكار الكتّاب المتطرفين لا تصبح أقل شعبية بعد موتهم. وبدلًا من هذا، جعلهم الموت أكثر شعبية بصورة مؤقتة. هذا الارتفاع يبدأ عندما يتم الإعلان عن موتهم ويستمر لحوالي أسبوع، مطابقًا لدورة الأخبار. 

على سبيل المثال، عندما قُتل بن لادن، قفزت الحركة بـ 10أضعاف: من 152 مشاهدة للصفحة في اليوم الذي سبق مقتله إلى 1923 في اليوم التالي. إجمالًا، انتهى الارتفاع في الحركة بحوالي 10 آلاف مشاهدة إضافية للصفحة قبل أن تتراجع إلى معدلاتها الأساسية. يشير هذا النمط إلى أن أيًّا مما يُعرف بطفرة الشهادة يكون قصير المدى وليس العكس. لكن ينبغي أن يمنح مسئولي مكافحة الإرهاب الأمريكيين وقفة ليعرفوا أن موت بن لادن قد أدى إلى زيادة كبيرة في الاهتمام بأفكاره العنيفة، حتى لو بصورة مؤقتة.

نحن لا نمتلك نفس النوع من البيانات عن موت البغدادي؛ كان الموقع الإلكتروني لهذا الجهادي بالتحديد خارج الخدمة منذ 2014. لكن بعد رؤية نتائج مماثلة لـ11 جهاديًا مقتولًا آخرين، يمكن القول إن أفكار البغدادي ستصبح اتجاهًا سائدًا (تريند)، على الأقل لفترة مؤقتة.

وعلى عكس المتطرفين الذين قُتلوا، هؤلاء الذين اعتُقلوا لم يصبحوا أكثر شعبية بعد الإعلان عن اعتقالهم. هذا يشير إلى أن اعتقال المتطرفين هو أفضل طريقة لإسكاتهم بدون جعل كتاباتهم الحالية أكثر شعبية. بالطبع، اعتقال الجهاديين يتطلب المزيد من القوى البشرية ويحمل مخاطر أكبر – والحظ يلعب دورًا: في حالة البغدادي، يبدو أنه استبق الاعتقال بتفجير سترة ناسفة. لكن البيانات تشير إلى أنه إذا كان من الممكن القبض عليه، ربما كان هذا سيجنبنا ارتفاع الاهتمام بأفكاره.

وسواء اعتُقل البغدادي أو قُتل، يأمل المسئولون الأمريكيون بالتأكيد أن موته سيكون نهاية الجماعة، لكن مثلما خرج تنظيم الدولة الإسلامية من جماعته السابقة، من المرجح أن يتحول التنظيم المعوز الذي يتوارى الآن عن الأنظار إلى شيء آخر. ومثل القاعدة قبله، بات تنظيم داعش تنظيمًا متفردًا يرتكز حول مجموعة من الأهداف والأفكار، وليس تنظيمًا يرتكز حول فرد واحد يتمتع بالكاريزما. 

أدخل تنظيم داعش بقيادة البغدادي أفكارًا جديدة مهمة على الأيديولوجية الجهادية، وأهمها أن حكم الأراضي وإعلان الخلافة كان خيارًا لجماعة جهادية تشهد صعودًا. إن موته لا يُضعف هذه الفكرة كثيرًا، ومن المرجح أن يستحضر الجهاديون المستقبليون منطق تنظيم داعش لتبرير الأهداف المماثلة. إن الطبيعة المتفردة لتنظيم الدولة الإسلامية ستجعل من الصعب أن نعرف إذا كانت النسخ المستقبلية أجزاء منبعثة من التنظيم الأصلي أم محدثي عهد ليسوا ذوي صلة لكنهم يستمدون الإلهام من رؤية البغدادي. لن يهم الأمر كثيرًا، لأن كليهما سيصبحان تحديات حقيقية للأمن القومي والدولي.

بالطبع، قتل البغدادي لم يكن خطأً لعدة أسباب؛ لكن البيانات لا تُظهر سببًا للتفاؤل بأن فكرة تنظيم داعش المتطرف ستموت معه.