بعد انتكاسة اسطنبول..

تركيا: نهاية هيمنة حزب أردوغان لكن ماذا عن اسقاط النظام

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان - أرشيف

أبوظبي

وصف الدكتور جون هولسمان، المتخصص في استشارات المخاطر السياسية، نتيجة الانتخابات البلدية الأخيرة في اسطنبول بأنها أكبر انتكاسة في المسيرة السياسية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان باعتباره القائد الرئيسي لتركيا منذ 16 عاماً، مشيراً إلى أن حسابات أردوغان الخاطئة وغطرسته قد أسفرا عن تحويل نكسة بسيطة إلى أزمة وجودية، وباتت هالة أردوغان التي لا تُقهر الضحية الكبرى لانتخابات اسطنبول.

 ويُشير هولسمان، في مقال بصحيفة "ذا آراب نيوز"، إلى خسارة حزب العدالة والتنمية، الذي يتزعمه أردوغان، للانتخابات البلدية في مدينة اسطنبول في انتخابات مارس(آذار) الماضي وفوز مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو، ولكن أردوغان، الرئيس الاستبدادي الذي لم يعتد على الخسارة، طالب بإعادة الانتخابات بسبب الهامش الضيق للفوز (13 ألف صوت فقط) وضغط على المجلس الانتخابي التركي للقيام بذلك.

حسابات خاطئة


ويقول كاتب المقال: "في ذلك الوقت، بدا الأمر مجرد خطوة أخرى كئيبة في طريق أردوغان لتحطيم بقية المجتمع التركي، ولكن ما حدث كان شيئاً مضحكاً ومثيراً للسخرية؛ فقد احتشد ناخبو اسطنبول، الغاضبون من إهانة أردوغان الواضحة لقرارهم، والتفوا حول أكرم إمام أوغلو، ومنحوه فوزاً مقنعاً بنسبة 54% في مقابل 45% في إعادة فرز الأصوات في 23 يونيو(حزيران) الجاري. والواقع أن حسابات أردوغان الخاطئة وغطرسته قد أسفرت عن تحويل نكسة بسيطة إلى أزمة وجودية، وباتت هالة حصانة أردوغان التي لا تُقهر الضحية الكبرى لانتخابات اسطنبول".

ويوضح الكاتب أن المعارضة التركية تسيطر الآن على مدن تمثل قرابة 70% من الناتج المحلي الإجمالي لتركيا، مع تسع من أكبر عشر مناطق حضرية في البلاد يحكمها عمدة يرتبطون بالمعارضة على مدار السنوات الخمس القادمة. وتُعد اسطنبول نفسها أكبر مدينة ومركز تجاري في تركيا، ومثلت 31% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في عام 2017.

نهاية هيمنة حزب أردوغان


ويعتبر الكاتب أن انتصار مرشح حزب الشعب الجمهوري المذهل قد كتب نهاية هيمنة حزب العدالة والتنمية التي استمرت 25 عاماً في المدينة التي بدأ منها أردوغان مسيرته السياسية كرئيس للبلدية. ولكن على الرغم من أهمية نتائج الانتخابات المحلية، إلا أن العديد من أعداء أردوغان السياسيين (سواء داخل حزبه الحاكم العدالة والتنمية والمعارضة بقيادة حزب الشعب الجمهوري والأحزاب الكردية المختلفة) ليسوا في موقف حقيقي قوي بما يكفي لإسقاطه، وعليهم الكفاح لتحقيق ذلك حتى في غضون السنوات الأربع المقبلة عند إجراء الانتخابات الرئاسية القادمة.

ويصف الكاتب أعداء أردوغان بأنهم قوى متباينة منقسمة، كما أنها أيضاً ضعيفة من الناحية الدستورية بسبب انتهاج تركيا لنظام الحكم الفرنسي ذي الطابع المركزي، حيث إن معظم الأموال اللازمة لإدارة المدن الكبرى في البلاد تتدفق مباشرة من القصر الرئاسي في أنقرة. ومن غير المرجح أن يكون أردوغان كريماً من الناحية المالية مع أعدائه، فضلاً عن سيطرته المتزايدة على بيروقراطية الدولة والإعلام والجيش.

ويرى كاتب المقال أن الانتكاسة السياسية ليست أكبر خطر يواجههه أردوغان حيث إن التهديد الأساسي الذي ربما يجعل أيامه معدودة يكمن في غطرسته وجهله شبه الكامل بالاقتصاد، إنه العامل الداخلي المُهمل الذي سيقود على الأرجح إلى سقوطه.

أزمة اقتصادية


وبعد فترة وجيزة من وصول أردوغان إلى السلطة في عام 2003 (كرئيس للوزراء في البداية ثم رئيس للبلاد)، شهدت تركيا طفرة اقتصادية، وقد ترك أردوغان إدارتها للآخرين إلى حد كبير وأبرزهم عبد الله غول، "ذراعه الأيمن" آنذاك والذي صار خصماً الآن.

ودافع أردوغان، الذي لم يكن أبداً مهتماً بالاقتصاد، عن نموذج اقتصادي غير تقليدي يرتكز على نمو قصير الأجل مدعوم من الائتمان ومبني على صناعة البناء والاستهلاك المحلي المتزايد.

ولكن هذه الفترة الطويلة من الثراء قد انهارت أخيراً خلال عام 2018 في أعماق أزمة العملة التي شهدت خسارة الليرة التركية 36% من قيمتها مقابل الدولار، وقام البنك المركزي التركي، تماشياً مع النظريات الاقتصادية، برفع أسعار الفائدة إلى 24% وتراجعت الأزمة إلى حد ما.

بيد أن أردوغان، الذي شعر بالرعب من انتهاء حزبه، دان البنك المركزي، وطالبه بتخفيض أسعار الفائدة، الأمر الذي يتناقض مع جميع النظريات الاقتصادية. وعلى الرغم من انتصار البنك المركزي، فقد ألحق أردوغان الضرر فعلاً بسمعته في ما يتعلق بالكفاءة الاقتصادية وكذلك بمبدأ استقلال البنك المركزي.

ضربة قاسية
ويلفت كاتب المقال إلى أن النتائج الاقتصادية الأليمة باتت أكثر وضوحاً، وفي الوقت الذي يشعر فيه المستثمرون بالقلق الشديد إزاء سلوك أردوغان الخاطئ، فإنه يتعين على تركيا دفع فوائد قرابة 275 مليار دولار من الديون بالعملة الأجنبية. وقد عانت البلاد من الركود الفني في نهاية عام 2018، وازدادت البطالة من 8.4% في يناير (كانون الثاني) 2012 إلى 14.7% في فبراير 2019 وهو ارتفاع خطير، كما يشعر الأتراك بالضرر من معدلات التضخم التي وصلت إلى 20%. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي التركي في عام 2019 بنسبة 2.3%.

ويرى الكاتب أن رئيس تركيا المستبد المتغطرس لا يمكنه التهرب من واقع هذه الأرقام الاقتصادية إلى الأبد، وقد أضاع أردوغان الفرصة لتطبيق الإصلاح الاقتصادي الهيكلي خلال الطفرة الاقتصادية التي شهدتها تركيا من قبل طوال عقد من الزمن وانتهت الآن، ولذلك فإنه يتعين عليه أن يحكم بلداً مختلفاً تماماً لم يعتد على الأوقات الصعبة التي سوف يواجهها بلا شك.

ويختتم الكاتب قائلاً: "يمكن القول إن الواقع الاقتصادي، لا الانتصار المؤقت للسياسيين الذين ينتمون إلى المعارضة، هو الطعنة القاسية التي سُدّدت إلى قلب أردوغان الذي كان يُعتبر حتى وقت قريب مُحصناً ضد التدمير من الناحية السياسية".