د. علي بن تميم يكتب:

الفلسفة والإمارات .. طريق واحد نحو المستقبل

أبوظبي

يسرد كتاب "التفكيك باختصار: محادثة مع جاك دريدا"، حكاية دالة، حول مشاركة الفيلسوف الفرنسي الشهير في مائدة مستديرة عقدت في جامعة فيلانوفا الأمريكية سنة 1994. هذه المشاركة قوبلت بهجوم عليه، إذ كيف يشارك في دعم مؤسسة تعليمية، حتى وإن كانت قسما أكاديميًا في الفلسفة للدراسات العليا، وهو رائد التفكيكية! وكان رده بسيطاً وواضحاً وبلاغياً، يشرح معنى الفلسفة، وقيمتها التي تحيي التفكير وتسعى إلى فهم المؤسسة لإعادة بنائها وفقاً للتصورات الأخلاقية التي ينتمي إليها.


كان دريدا يرى أن "الحق في الفلسفة للجميع"، وأنها لا بد من دخولها بقوة ضمن منظومة التعليم في كل مراحله وأشكاله ومن هنا تأتي أهمية خبر طرح جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية برنامج بكالوريوس الآداب في الفلسفة والأخلاق.


والفلسفة ليست في حاجة للحديث عن أهميتها، فالقاصي والداني يدركان ذلك. لكن حديثنا عن أهمية تدريس "الفلسفة" في منظومة التعليم بالإمارات، وهو ما نحب الوقوف عنده من زاويتين؛ الأولى أن فكرة تدريس الفلسفة تستكمل نهج دولة الإمارات المميز في العناية بالتربية الأخلاقية والفلسفية وتعزيز المبادئ الإنسانية المشتركة. والزاوية الأخرى أن مبادرات دولة الإمارات كما أثبتت التجارب تبدأ دوما مما انتهى عنده الآخرون، بعد دراسته بشكل منهجي دقيق، ليكون ما تقدمه إضافة ومواصلة للإنتاج العلمي الإنساني.


لذلك فإننا نثق في أن برنامج بكالوريوس الآداب في الفلسفة والأخلاق الذي أطلقته الجامعة، ليكون الأول من نوعه في المنطقة ضمن مساقاتها العلمية والأكاديمية. سيرفد خلال سنوات معدودة الحياة الأكاديمية والبحثية في الإمارات بنخبة من الباحثين، وستكون الامارات منصة بحثية نشطة تسهم في استعادة حالة الاهتمام العلمي الأكاديمي العربي بالفلسفة وتضيف إلى ما قدمه العرب في هذا المجال الفكري المهم.
والإمارات ليست غريبة على الفلسفة، فقد كانت إحدى المواد الأساسية التي تُدرّس في الجامعات والمدارس، ويذكر جيلي والأجيال السابقة ذلك جيداً.


وحين أقول إن الإمارات ليست غريبة على الفلسفة، فإنني أشير هنا أيضاً إلى مشروع "مفكرو الإمارات" الذي أطلقه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، والذي يسعى إلى تعزيز دور المفكر والباحث الإماراتي، بهدف إبراز الناتج الفكري الإماراتي. ولا شك أننا سنجد نتاج قسم الفلسفة في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، قريباً في هذا المشروع.


ومن نافل القول، إنه إذا حضر التفكير غاب التطرف، وكل الجماعات المتشددة تدرك خطورة الفلسفة عليها، لأن الفلسفة تعني إعمال العقل وحرية الأفكار وطرح الأسئلة والمعرفة الأخلاقية والجمالية، وكل هذا يعمل على تنمية فكر الإنسان، لكنها ـ الجماعات الظلامية على كافة أشكالها ـ لا تريد لهذا أن يحدث، بل تعمل على أن تظل الأمم والشعوب ترتع في مستنقعات العنف والجهل والتكفير.


تزعم التنظيمات المتطرفة أن الفلسفة تعادي الدين، وهذا كذب بيّن وصريح، روّجت له لمعاداة العقل النقدي، فالفلسفة ـ في رأي العديد من الفلاسفة ـ هي الطريق لمعرفة الله، وهي في رأي ابن رشد "علم النظر في الموجودات، واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم"، ومن هنا تأتي عودة تدريس الإمارات للفلسفة، تعزيزاً لسياستها في التوسع في البرامج الدراسية المرتبطة بقيم المجتمع في نشر قيم الدين الإسلامي الصحيح ودعم أواصر الأخوة الإنسانية، وتنفيذاً للرؤية الاستراتيجية لاستكمال بناء المواطن الإماراتي، المستقل في تفكيره والمتوازن في بناء شخصيته.


إن عودة تدريس الفلسفة إلى مدارس وجامعات الإمارات، وكذا في المملكة العربية السعودية، لهي تأكيد على استراتيجيات بناء العقل الواعي المتسلح بالأسئلة النقدية واليقظة الفكرية وتنمية القدرات التحليلية والمعرفية، وعودة للأمور إلى نصابها الصحيح فقد كانت الفلسفة ـ وما تزال ـ جزءاً مهماً من تاريخ الحضارة العربية والإسلامية.


إن ما تفكر فيه الإمارات وتسعى إليه هو المستقبل، ولا شيء يجيب على أسئلة المستقبل مثل الفلسفة التي تُعمل العقل وتُنمّي المدارك وتطرح رؤى تفسيرية وتنبؤية للغد بما يفيد البشرية.
ومن هنا تنبع أهمية تدريس الفلسفة التي عرفها أرسطو بأنها "علم الموجود بما هو موجود"، وهي من هنا أم العلوم، وتشمل جميع العلوم الأخرى، ومنها يبدأ المستقبل.. تمامًا إلى حيث تتجه الإمارات.