خطّط الإرهابيون في جاوة الغربية لاستخدام عامل بيولوجي سام في هجوم بالقنابل. ماذا يعني هذا بالنسبة لخطر الإرهاب البيولوجي في إندونيسيا؟
في منتصف أكتوبر عام 2019، اعتقلت الشرطة الإندونيسية خلية تابعة لجماعة أنصار الدولة – أكبر شبكة مؤيدة للدولة الإسلامية في إندونيسيا – كانت قد خطّطت لهجوم انتحاري باستخدام قنبلة تحتوي على سم أبرين في مدينة سيريبون، في جاوة الغربية. واستهدفت الخلية مركزًا للشرطة المحلية ومكانًا للعبادة في سيريبون، وضبطت الشرطة 310 جرامات من بذور عين العفريت السامة، والتي تُعدّ المكون الرئيسي لسم الأبرين، كما كشف اختبار إدارة الطب الشرعي التابعة لجهاز الشرطة أن حوالي 0.7 ميكروجرام من الأبرين يمكن أن يقتل 100 شخص.
كانت هذه أول قنبلة مجمعة في إندونيسيا يُستخدم فيها مادة بيولوجية كأحد مكوناتها. ومع ذلك، كانت هي العملية الإرهابية الثانية خلال ثماني سنوات تستخدم العوامل البيولوجية، فيما كانت العملية الأولى في عام 2011، عندما حاولت جماعة مسلحة في جاكرتا قتل رجال الشرطة بتسميم غذائهم باستخدام الريسين، وهو عنصر بيولوجي آخر.
ماذا تعني هذه العملية الأخيرة فيما يتعلق بالحالة الراهنة لتهديد الإرهاب البيولوجي – "الإطلاق المتعمد للفيروسات أو البكتيريا أو الجراثيم الأخرى التي يمكن أن تبيد أو تقتل الناس أو الماشية أو المحاصيل"– في إندونيسيا؟
في هذه المقالة سنحاول تقييم التهديد من منظور العوامل البيولوجية المستخدمة في عمليات الهجوم وطرق نشرها في الحوادث السابقة، فضلًا عن نوايا وقدرة الجماعات الإرهابية الإندونيسية في استخدام العوامل البيولوجية كوسيلة للإرهاب.
عوامل الإرهاب البيولوجي
صنّف مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها – المؤسسة الوطنية الأمريكية الرائدة في مجال الصحة العامة، والمسئولة أيضًا عن الاستجابة لأعمال الإرهاب البيولوجي– مادة الريسين والأبرين على أنها سموم بيولوجية قوية مشتقة من مصادر نباتية مثل الخروع عين العفريت، وبناءً على الجهود الأولية لجاهزية الصحة العامة، صنّف مركز السيطرة على الأمراض السموم النباتية ضمن الفئة "ب"، فئة أقل من الفئة "أ"، الفئة الأولى.
والعوامل البيولوجية في الفئة الأخيرة لديها أكبر إمكانية للتأثير الضار على الصحة العامة. وقد تتسبب في وقوع إصابات جماعية، إلى جانب إمكانات معتدلة إلى عالية للنشر على نطاق واسع وزيادة الوعي العام الذي يمكن أن يسبب خوفًا جماعيًّا وانقطاعًا مدنيًّا. على هذا النحو، يتطلب تهديد الإرهاب البيولوجي جهودًا واسعة النطاق للتأهب للصحة العامة.
كيف استخدمت الجماعات المسلحة الإندونيسية تلك العوامل؟
عوامل "الفئة أ"
لا يبدو أن الجماعات الإرهابية الإندونيسية في الوقت الحالي لديها نية أو قدرة على استخدام عامل بيولوجي من الفئة "أ" مثل الجمرة الخبيثة لشن هجوم. كان آخر محاولة معروفو لتطوير الجمرة الخبيثة في منتصف عام 2000، عندما قدم حنبلي "رضوان عصام الدين"، حلقة الوصل بين الجماعة الإسلامية الإندونيسية وتنظيم القاعدة، وأمير المنطقة الأولى في الجماعة الإسلامية، (وهي المنطقة الإقليمية التي تغطي ماليزيا وسنغافورة) عضو الجماعة الإسلامية الماليزي "يزيد صوفات" إلى تنظيم القاعدة.
ووفقًا لتقرير لجنة 11/9، قاد يزيد صوفات – وهو حاصل على شهادة في التكنولوجيا الطبية والكيمياء الحيوية من جامعة أمريكية – برنامج الأسلحة البيولوجية التابع للقاعدة، حيث ساعد في إنشاء مختبر القاعدة في قندهار بأفغانستان، وقضى عدة أشهر في تحضير الجمرة الخبيثة لصالح الجماعة الإرهابية.
وعلى الرغم من أن مختبر القاعدة لم يكن متطورًا بشكل عام، زعم يزيد أنه نجح في تطوير بعض مولدات الأمراض، وأكد أن الجمرة الخبيثة لم تكن "المفضلة" لديه؛ لأنها كانت جيدة للتخريب ولكنها ليست كافية لقتل الناس. وفي النهاية دُمِّرَ المختبر عندما قصف الناتو قندهار عام 2001، وعاد يزيد إلى ماليزيا واعتُقل في نفس العام، ثم أُطلق سراحه عام 2008 وأعيد اعتقاله مرة أخرى عام 2013. وأُطلق سراحه ثانيةً في نوفمبر 2019.
ومنذ ذلك الحين، لم تكشف الأجهزة الأمنية عن أي محاولات أخرى للجماعات الإندونيسية لتصنيع أسلحة بيولوجية من الفئة "أ"، ويمكن أن يعزى ذلك جزئيًّا إلى عدم وجود نية جادة من جانب الجماعات الإرهابية الإندونيسية أو عدم كفاية الموارد المتاحة – أي علماء الأحياء والمختبرات – لتصنيع عوامل بيولوجية. وقد أكد "جريجوري كوبلنتز" الباحث في شئون الإرهاب البيولوجي أنه على الرغم من أن اكتساب العديد من العناصر البيولوجية بسيط وغير مكلف نسبيًّا، غير أن تسليحهم لإلحاق إصابات جماعية هو بالفعل التحدي الأكثر أهمية للإرهاب البيولوجي المحتمل.
وفي تسعينيات القرن الماضي، فشلت طائفة "أوم شنريكيو" في اليابان في إطلاق السلالات الخبيثة من الفئة "أ" من الجمرة الخبيثة وبوتولينوم التوكسين في سبع حوادث منفصلة. ووفقًا لـ "آدم دولنيك"، الخبير في شئون الإرهاب، فإن هذا الفشل حدث على الرغم من أن الطائفة لديها أصول تقدر بنحو مليار دولار ونحو 26 من الكيميائيين والأخصائيين في علم الأحياء المجهرية المدربين من الجامعات يعملون في منشآت بحثية من الدرجة الأولى، دون أي قيود على إجراء التجارب. وبناءً على المعلومات المتاحة، فإن قدرة الجماعات المسلحة الإندونيسية، وأفرادها الإرهابيين، على استخدام الفئة "أ" كسلاح إرهابي لا يسمو إلى قدرة "أوم شنريكيو" أو "يزيد صوفات".
عوامل الفئة ب
في يونيو 2011، حاولت خلية مسلحة تتألف من سبعة أشخاص، بقيادة سانتانام، قتل رجال الشرطة بتسميم الطعام في مقصف كان يزوره الأخير بشكل متكرر باستخدام سم الريسين. كان سانتانام طالبًا للداعية المتطرف "هلاوي ماكمون"، الذي كان زعيمًا للجماعة الإسلامية في الخارج (مجلس مجاهدي إندونيسيا)، وفيما بعد زعيم جماعة أنصار التوحيد، وفي عام 2010 ترك ماكمون جماعة أنصار التوحيد متعهدًا بالولاء لتنظيم داعش في عام 2014 قبل وفاته في العام نفسه.
كانت حادثة 2011 أول عملية إرهابية في إندونيسيا يُستخدم فيها عامل بيولوجي سام، واعتقلت خلية سانتانام عندما كانوا على وشك التوجه إلى المقصف لتسميم الطعام. وقبل ذلك، قاموا باختبار مادة الريسين في كشك لبيع العصيدة في مجمع سكني صيني في جاكرتا وزعموا أن العملية نجحت. ومع ذلك، فمن غير المعروف ما إذا كان ذلك "الاختبار" تسبب في إحداث وفيات.
ويمكن أن يعزى استخدام عوامل الفئة (ب) – السموم النباتية – في عامي 2011 و2019 جزئيًا، إلى:
أولاً: توفر الوكلاء والمشتريات منخفضة التكلفة؛ حيث تنمو حبوب الخروع وعين العفريت في الدول المدارية مثل إندونيسيا، ومع ظهور التجارة الإلكترونية، يمكن شراؤها عبر الإنترنت بسعر منخفض نسبيًّا. وقد كانت خلية سانتانام قد استخرجت مادة الريسين مباشرة من نباتات الخروع التي عثروا عليها في جاكرتا، وجرى اختيار التسميم كوسيلة إرهابية بسبب عدم توفر أموال كافية لدى الخلية.
ثانيًا: إمكانية وجود تحفيز من المقاتلين الأجانب؛ حيث زعمت خلية سانتانام أنها استلهمت الفكرة من هجوم مماثل في الشرق الأوسط، لكن لم تكن هناك تفاصيل بخصوص ذلك الهجوم. ومع ذلك، بعد بضعة أشهر من اكتشاف محاولة الريسين الإندونيسية، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن مسئولي مكافحة الإرهاب الأمريكيين كانوا قلقين من أن يكون تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن حاول إنتاج الريسين، والذي كان من المفترض أن يتم تعبئته حول متفجرات صغيرة للهجمات ضد الولايات المتحدة.
وتشبه محاولة خلية سيريبون لإنتاج قنبلة بمزيج من سم الأبرين، محاولة هجوم في ألمانيا من شخص مؤيد لداعش خطط لعمل جهاز متفجر يحتوي على سم الريسين عام 2018.
وبالفعل، نُشرت أدلة حول كيفية استخراج مادة الريسين من حبوب الخروع بين أفراد الجماعات المسلحة في إندونيسيا منذ عام 2012 حتى اليوم. وعلى عكس الريسين، كانت الأدلة على وجود الأبرين غائبة في الفضاء الإلكتروني للجماعات المسلحة الإندونيسية. هذا على الأرجح لأن الأبرين لم يُستخدم من قبل في الهجمات الإرهابية السابقة، وفقًا لمركز السيطرة على الأمراض.
نشر العوامل البيولوجية
جرّبت الخلايا الإرهابية الإندونيسية طريقتين من بين ثلاث طرق أدرجها "كوبلنتز" كطريقة أساسية لنشر عامل بيولوجي سام:
أولاً: نشر العوامل البيولوجية باستخدام الطاقة المتفجرة، وكانت هذه هي الطريقة التي خططت لها خلية سيريبون؛ حيث تستخدم الجماعات المسلحة الإندونيسية تقليديًّا إما مواد شديدة الانفجار أو قليلة الانفجار، مع إضافة مسامير أو الصواميل والبراغي لتعزيز التأثير المميت للقنبلة. وفي هذه الحالة، قامت خلية سيريبون بتجميع قنبلة شديدة الانفجار وأضافت إليها سم الأبرين لجعلها أكثر فتكًا، وهذا يدل على أن استخدام خلية سيريبون للأبرين لم يكن مقصودًا أن يكون هجومًا بيولوجيًّا في حد ذاته، بل لإعطاء القنبلة التقليدية تأثيرًا أكثر فتكًا.
ثانيًا: تلويث الطعام، والذي يسهل تحقيقه وفقًا لـ "كوبلنتز" من خلال جهاز رش متطور لإطلاق العوامل البيولوجية. وهذه الطريقة خططت خلية سانتانام لاستخدامها.
ثالثاً: تتمثل الطريقة الثالثة في وضع العامل البيولوجي في جهاز رش (بخاخ) يمكن أن ينفجر بسبب الضغط. ورغم أن هذه هي الطريقة الأكثر فاعلية لإحداث إطلاق جوي لجزيئات العوامل البيولوجية ذات الحجم المناسب، لم تحاول الجماعات المسلحة الإندونيسية تجربة هذا التكتيك أبدًا لأنه يتطلب عاملًا عالي الجودة، لا تستطيع الجماعات الإندونيسية – وحتى مركز داعش في سوريا – إنتاجه.
مسار المستقبل
هناك احتمال أن يكون لدى الجماعات المسلحة الإندونيسية النية لاستخدام السموم النباتية في الهجمات، ويرجع ذلك إلى توفر هذه العوامل وعملية الإنتاج البسيطة نسبيًّا لاستخدامهم في هجوم صغير النطاق له تأثير محدود، أي هجوم من غير المرجح أن يؤدي إلى وقوع عدد كبير من الضحايا. ولم يتطلب تصنيع عوامل الفئة "ب" في العمليات الهجومية السابقة وجود مختبر وتدريب من علماء الأحياء مثل يزيد. ولم يستكمل بايمن، وهو عضو في خلية سانتانام التي صنعت مادة الريسين، تعليمه الابتدائي. لقد عمل وفقًا لتعليمات سانتانام الخاصة بإنتاج هذه المادة، والتي كانت تستند إلى أبحاث عبر الإنترنت.
ويمكن أن تحدث حالة البجعة السوداء إذا تمكنت الجماعات المسلحة الإندونيسية من تجنيد علماء كيميائيين حيويين مدربين يمكنهم الوصول إلى مختبرات تديرها الدولة. ومع ذلك، هناك القليل مما يوحي أن لديهم حاليًا نية أو القدرة على تسليح العوامل البيولوجية كأداة لتحقيق الكثير من الإصابات.
وبالتالي، قد يقتصر استخدام العوامل البيولوجية على السموم أو استخدامها كمزيج في أدوات هجوم تقليدية أخرى (القنابل أو الأسلحة الحادة)، بدلاً من نشر العامل باستخدام جهاز متطور، وهو الإجراء الأكثر دموية في الإرهاب البيولوجي.
وأخيرًا، سيعتمد مفتاح تعطيل هذه الهجمات في المستقبل اعتمادًا كبيرًا على مراقبة الأجهزة الأمنية الإندونيسية وتعطيل الخلايا المتشددة، كما تم بنجاح حتى الآن.